الشيخ محمد رشيد رضا

519

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وبالسجن حتى يموت أو يتوب . وقد تقدم في تفسير ( 4 : 14 وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ) الآيتين - ان ابا مسلم الخراساني فسر اللائي يأتين الفاحشة من النساء بالمساحقات - واللذين يأتيانها من الرجال باللائط والملوط به ، وان الجلال قال إنها في الزنا واللواط جميعا . وبينا ان الأستاذ الامام رجح قول أبي مسلم في الآيتين . وهو يوافق قول من قالوا إن عقاب اللواطة التعزير ولكن بما فيه ايذاء لا مطلقا ، فالتعزيز يكون بالقول والفعل وبما فيه تعذيب وما لا تعذيب فيه ، ( راجع ص 434 - 439 ج 4 ) ابتلاء منه في الحضارة بهذه الفاحشة ليس لدينا أثارة من التاريخ في سبب ابتلاء قوم لوط بهذه الفاحشة ولكن روى ابن إسحاق عن بعض رواة ابن عباس ان إبليس تزيّا لهم في صورة أجمل صبي رآه الناس فدعاهم إلى نفسه ثم جروا على ذلك . وهذا أثر لا يثبت به شيء . واخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس انه كانت لهم ثمار بعضها على ظهر الطريق وانه أصابهم قحط وقلة ثمار فتواطؤا على منع ثمارهم الظاهرة ان يصيب منها أبناء السبيل بأن يعاقبوا كل غريب يأخذونه في ديارهم باتيانه وتغريمه أربعة دراهم . قالوا : فان الناس لا يظهرون ببلادكم إذا فعلتم ذلك . ففعلوه فألفوه . وانا لنعلم ان العرب كانت تنزه أنفسها عن هذه الفاحشة في الجاهلية وفي أول الاسلام بالأولى ، وما أشرنا اليه آنفا من تشاور الصحابة في العقاب عليها كان سببه ان خالد بن الوليد ( رض ) كتب إلى أبي بكر الصديق ( رض ) : انه وجد رجلا في بعض ضواحي بلاد العرب ينكح كما تنكح المرأة . فجمع لذلك أبو بكر أصحاب رسول اللّه ( ص ) واستشارهم في هذا الامر إذ لم يسبق له مثل ، فأشار علي كرم اللّه وجهه بان يحرق بالنار أي بعد قتله كما تقدم فوافقه الصحابة وكتب أبو بكر إلى خالد بذلك فأمضاه . رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريقه باسناد جيد ، والمراد بقول خالد ( رض ) ضواحي بلاد العرب ما يلي بلاد فارس منها إذ كان هنالك ، ولم نعلم جنس ذلك الرجل ولا بد ان يكون من الأعاجم . وروى البيهقي عن عائشة : أول من اتهم بالامر القبيح - تعني عمل قوم لوط - رجل على عهد عمر فامر عمر بعض شباب يش أن لا يجالسوه . اي لمجرد التهمة . هذه الفاحشة من سيئات ترف الحضارة وهي تكثر في المسرفين في الترف ولا سيما حيث يتعسر الاستمتاع بالنساء ، كثكنات الجند والمدارس